صندوق الزكاة.. احتيال سياسي بتعلات اقتصادية

فشل حركة النهضة في تمرير مقترح قانون لإنشاء “صندوق زكاة”، في مجلس نواب الشعب، لم يكن كافيا لإخفاء خطورة المقترح ودواعيه وتوقيته ومآلاته، بالنسبة لتونس وللنهضة التي تحاول بشتى الطرق الالتفاف على دستور 2014 الذي أكد مدنية الدولة. وهو مقترح كان من قبيل حيلة العاجز على تلمس البدائل الاقتصادية الناجعة، فلجأ إلى المدونة الدينية يلتقط من قاموسها مسكنات تدغدغ المشاعر الدينية للناس.

تقدمت حركة النهضة بمقترح إحداث صندوق للزكاة في مشروع قانون المالية التكميلي للعام 2020 على أن يتم جمع موارده المالية من زكاة الأفراد وهبات المؤسسات والتبرعات الدينية والاجتماعية. لكنها لم تتوصل إلى تمريره، رغم ما سبق جلسة التصويت من شحن سياسي استدعى كل المبررات الدينية واتكأ على صعوبة الوضع الاقتصادي للبلاد. في هذا المفصل بالتحديد يتداخل الديني بالاقتصادي والسياسي، في توقيت تونسي موسوم بالضبابية في ظل تعثر مشاورات تشكيل الحكومة. تأخر حسم الهوية السياسية للحكومة، فلجأت النهضة إلى الهوية الدينية للبلاد، في محاولة لتمرير القانون، بما يعنيه من “كسل اقتصادي وسياسي” وعزف على الوتر الديني للتونسيين.

كان ملفتا أن تقديم حركة النهضة للمقترح “تزامن” مع إشارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأحد الماضي، لأهمية الزكاة وضروريتها في الوضع الراهن للعالم الإسلامي، حين شدد على أن “الفرق في الدخل بين أغنى دولة إسلامية وأفقرها يصل إلى 200 ضعف.. وهذا يعني أن المسلمين لا يشغلون مؤسسة الزكاة أيضا في ما بينهم. لو دفع المسلمون (كلهم) الزكاة في ما بينهم لما بقي فقير في العالم الإسلامي”. وهذا لا يعني، ضرورة، وجود تنسيق بين حركة النهضة الإخوانية وبين الزعيم التركي الإخواني، ولكنه تزامن يدلّ على أن الطرفين ينهلان من المعين نفسه والمدونة ذاتها، ويؤكد أنهما يتقاسمان اللجوء إلى المخارج الدينية للأزمات الاقتصادية.

على أن الأخطر في تقديم المقترح، بصرف النظر عن كيفية الفشل في تمريره وأسبابه، أن المقترح يعكس قضيتين متداخلتين. الأولى تتمثل في العجز المزمن لدى التيارات والأحزاب الإسلامية عن تقديم حلول اقتصادية ناجعة وقابلة للتحقق، حيث يُعرف أن كل التيارات الإسلامية لم تخرج البتة عن التصور الرأسمالي للاقتصاد ولم تتوصل يوما إلى رسم بديل اقتصادي يقطع مع هنات الرأسمالية ويراعي البيئات المحلية للمجتمعات الإسلامية، وحتى الإشارات القليلة التي ضمنها حزب التحرير، مثلا، في وثائقه في نقد الرأسمالية والمديونية، ظلت مجرد إشارات “غاضبة” لم ترتق إلى المشروع الاقتصادي الحقيقي.

وفي ظل هذا العجز المزمن، تلجأ الأحزاب الإسلامية دائما إلى استدعاء المدونة الدينية لتبتكر “ارتجالا” اقتصاديا يحمل مرة اسم الاقتصاد الإسلامي، ومرة وسم الاقتصاد الاجتماعي، وفي داخل هذه المحاولات تتواتر مفاهيم المالية الإسلامية من قبيل المرابحة والإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك والإجارة الموصوفة بالذمة والاستصناع والمضاربة والمشاركة والقرض الحسن وغيرها، وهي مفاهيم سادت في أزمان سابقة، وربما كانت صالحة وقتذاك إلا أنها تعبّر اليوم عن قراءات ساذجة لمنظومة مالية واقتصادية عالمية بالغة التعقيد والتشابك.

الملمحُ الثاني لخطورة مقترح النهضة، هو أنه يضمر الدوس على دستور العام 2014، الذي شاركت النهضة  نفسها في صوغه، والذي يشدد في فصله الثاني على أن “تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون”. ولا شك أن محاولة تمرير مشروع قانون إحداث صندوق الزكاة، هو محاولة لتحويل “الفريضة” إلى “قانون”، وهي محاولة تخفي، بدورها، النظر إلى التونسي بصفته مؤمنا (مسلم بالتحديد) لا بوصفه مواطنا تونسيا. في مشروع قانون الزكاة تحويل وجهة للجانب الشخصي الإيماني في الفريضة، بإضفاء الجانب الرسمي المؤسسي عليه، وهنا تصبح الدولة مسؤولة أو راعية للفريضة، وهو ما يضرب المواطنة والمساواة ومدنية الدولة والدستور في مقتل. وهو ما يلتقي مع اعتبار وزير المالية الأسبق، حسين الديماسي، مشروع النهضة حول صندوق الزكاة “محاولة لإحداث دولة موازية للدولة المدنية”.

المفارقة المتصلة بالموضوع، هو أن الغائب الأبرز في القضية هو المحكمة الدستورية، وهي الجهة التي يحق لها أن تمتحن تلاؤم القوانين الجديدة مع الدستور التي توافق عليه التونسيون. ولعل هذا البعد ساهم بدوره في إسراع حركة النهضة، وما جاورها مثل ائتلاف الكرامة، بتقديم مقترح القانون.

منذ الإعلان عن تقديم مقترح قانون إحداث صندوق الزكاة، تباينت المواقف السياسية في تونس وحتى خارجها، وكان المسار الغالب للنقاش المتصل بالقضية هو محاولة استدعاء الحجج الدينية سواء للذود عن الفكرة، أو لدحضها. ومنذ سقوط المقترح تداعت المواقف “المحتجة” على رفض القانون إلى درجة اعتبار الرافضين للمقترح هم من “المنكرين لركن من أركان الإسلام”، في حين أن الأمر أبعد ما يكون عن هذا التبسيط بل هو مغالطة خطيرة نخفي الفشل في توفير البدائل الاقتصادية، كما تضمر تقسيم التونسيين إلى مسلم وغير مسلم، والحال أن فريضة الزكاة لن تسقط بسقوط المقترح، ولن تختفي من السلوكيات العامة للناس، وما سقط وتداعى هو الدواعي السياسية لهذا “الابتكار”، أي تحويل الفريضة إلى حل سياسي.

لن تتوقف النهضة عن تقديم مبادرات تخالف الدستور التونسي، ولن تعدم سبل ابتكار مشاريع جديدة، تبعد البلاد عن المدنية وتقربها من “الأسلمة”. إصرار وعد به المنادون بالمقترح حيث شدد نائب عن كتلة النهضة في البرلمان على أن القانون سقط تبعا للـ”حساسية الأيديولوجية”، وأكد أن الحركة متمسّكة بمشروع صندوق الزكاة وأنها ستعيد طرحه عند مناقشة البرلمان لقانون الماليّة التعديلي، الذي ستطرحه الحكومة المنتظر تشكيلها. وهو يتماهى مع ما ذهب إليه عبداللطيف العلوي النائب عن ائتلاف الكرامة حين قال “سنطرح المشروع مرة أخرى في مبادرة تشريعية، وسنشتغل عليها بأسلوب آخر وسنوفر لها كل أسباب النجاح، وسننجح”. هل أن كل هذا الإصرار على إعادة طرح المقترح يعبّر فعلا عن اجتهاد لحل معضلات الاقتصاد التونسي؟ أم هو مجرد عناد أيديولوجي يسترجع معارك الهوية التي اندلعت عام 2012؟

مقترح صندوق الزكاة هو حيلة العاجز عن إيجاد حلول اقتصادية حقيقية، وركون إلى دغدغة المشاعر الدينية للتونسيين، وزيغ بالبلاد عن مدنية الدولة التي كابد التونسيون من أجل تضمينها في دستورهم، وإدارة ظهر للأسباب العميقة التي أوصلت اقتصاد البلاد إلى هذا الحضيض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *