كرة القدم.. الأدباء أفضل من كتبوا عنها

مرحبا بكم في مونديال روسيا 2018، صفارة البداية تعلن شهراً كاملاً من الحرب الكروية العالمية.. سيتوقف كل شيء في العالم حتي إعلان بطل المونديال، ستعلن النتائج وتكتب التحليلات ويتغزل النقاد الرياضيون بالنجوم، لكن لا تنسوا في ذروة هذه الحرب المستعرة أن الأدباء هم أفضل من كتبوا عن تلك الساحرة المستديرة.

لم يهم العالم بشيء مثل هيامه بكرة القدم، ولم يفتن الأدباء بلعبة رياضية كما فتنوا بكرة القدم، وليس صحيحا أن النقاد الرياضيين هم أفضل من يتحدث عن تلك اللعبة الساحرة التي سحرت الجميع، الأدباء هم افضل من كتبوا عن الكرة، نصوص مفعمة بالسحر كتلك الساحرة المستديرة.
من أهم الكتب التي أصدرها الأدباء عن هذه اللعبة الساحرة كتاب «كرة القدم بين الشمس والظل» للروائي الأورغوياني الراحل إدواردو غاليانو، والذي ترجمه الى العربية صالح علماني، يبدأ غاليانو كتابه البديع بإهداء يقول فيه «هذه الصفحات مهداة إلى أولئك الأطفال الذين التقيت بهم ذات مرة، قبل سنوات عديدة، فـي كاليّا دي الكوستا كانوا عائدين من لعب كرة القدم وهم يغنون:
ربحنا أم خسرنا، لن تتبدل متعتنا،
متعتنا تبقى كما هي
سواء أخسرنا أم ربحنا».

كرة القدم.. رحلة حزينة
يعترف غاليانو في بداية كتابه بأنه كان يحلم بأن يكون لاعبا لكرة القدم، لكن كان ذلك أثناء نومه فقط، أما في النهار فكانت قدمه أسوأ قدم متخشبة في الملاعب، ويتحدث غاليانو في كتابه عن التغيرات التي طرأت على كرة القدم بين الماضي والحاضر، ويرى أن تاريخ كرة القدم رحلة حزينة، حيث يقول انه كلما تحولت الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولد من متعة اللعب لمجرد اللعب.
يسرد غاليانو في كتابه مصطلحات كثيرة حول اللعبة من خلال نصوص بديعة يتحدث في نص منها عن «الجول» فيقول «الجول هو ذروة المتعة فـي كرة القدم. ومثل ذروة التهيج الجنسي، أصبح الجول يتناقص أكثر فأكثر فـي الحياة المعاصرة، قبل نصف قرن كان من النادر أن تنتهي مباراة دون أهداف: صفر× صفر، أما الآن، فإن الأحد عشر لاعبا يقضون وقت المباراة كله متشبثين بالعارضة، منهمكين فـي منع الأهداف من دون أن يتاح لهم الوقت لتسجيل هدف».

المثقفون وكرة القدم
في كتابه يشير غاليانو إلى موقف المثقفين من كرة القدم، حيث يشير إلى أن احتقار كثير من المثقفـين المحافظين لكرة القدم كان يستند إلى اليقين بأن عبادة الكرة هي الشعوذة التي يستحقها الشعب، أو أفيون الشعوب، ويؤكد أن «التاريخ الرسمي يتجاهل كرة القدم».

خوف حارس المرمى
لم يكن غاليانو وحده الذي استسلم لغواية كرة القدم فألف أحد أهم الكتب عنها، سنجد أن كثيرين فعلوا ذلك بدرجة أو باخرى، الأديب والكاتب النمساوي بيتر هاندكه عندما أراد كتابة رواية عن الخوف من خلال طرح كثير من الأسئلة الوجودية، اختار لحظة فارقة في مباريات كرة القدم وهي ركلة الجزاء، فاختار لروايته عنوان لافت «خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء» رغم أن روايته ليست عن كرة القدم.

الكرة بين الرصافي ومحفوظ
على المستوى العربي، لم يكن الأدباء العرب بعيدين عن هذا الشغف بالساحرة المستديرة، وربما كان الشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي اقدم من جسد مشهد صراع كرة القدم في ابيات شعرية، يقول الرصافي في قصيدة تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين:
قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم
كرة تراض بلعبها الأجسام
وقفوا لها متشمّرين فالقيت
فتعاورتها منهم الأقدام
يتراكضون وراءها في ساحة
للسوق معترك بها وصدام
وبرفس أرجلهم تساق وضربها
بالكفّ عند اللاعبين حرام
أما أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ فقد كان عاشقا وممارسا للعبة كرة القدم، وقال عن نفسه انه لولا الأدب لأصبح أحد نجوم الكرة البارزين، بينما الأديب الراحل توفيق الحكيم كان من أوائل الأدباء العرب الذين تنبهوا لأهمية كرة القدم وتنبأ بعصورها القادمة، في آخر أيام الحكيم دفع ناد مصري مليوني جنيها من أجل لاعب فقال مقولته الشهيرة «انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم».

درويش.. هدنة كرة القدم
الشاعر الراحل محمود درويش كان عاشقا لكرة القدم، وهو أحد الأدباء العرب الذين شغفوا بها، كتب درويش مجموعة من النصوص الساحرة عن الكرة، وستلمح الكثير من مفردات اللعبة في أدبيات درويش، فكرة القدم عند درويش «حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر».
ومن بين هذه النصوص التي كتبها درويش في غواية كرة القدم هذا النص الفاتن الذي كتبه في أحد الملاجئ عام 1982، كان المونديال في إيطاليا وكانت بيروت ودرويش تحت الحصار الإسرائيلي، يومها تساءل درويش «ونحن ايضا نحب كرة القدم، ونحن ايضا يحق لنا ان نحب كرة القدم. ويحق لنا ان نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟»، وبعد أن استطاع درويش ورفاقه مشاهدة المباراة على شاشة تلفاز تم إمداد الكهرباء إليه من بطارية سيارة تساءل مرة أخرى عن كرة القدم «ما هذا الجنون الساحر، القادر على اعلان هدنة من أجل المتعة البريئة؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ الى ذباب مزعج! وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسة الشعر والنبيذ واللقاء الاول مع امرأة مجهولة».

كعب مارادونا وكعب أخيل
درويش كتب أيضا عن البطولة التالية 1986 عن أحد أعظم اللاعبين في تاريخ المونديال وكرة القدم؛ الأرجنتيني مارادونا، حيث اعتبر أن قدم مارادونا، مع كعب ميثولوجي آخر هو كعب أخيل.. هما أشهر قدمين في تاريخ الأسطورة، يقول درويش «مارادونا، يا بطلي إلى أين نذهب هذا المساء؟ مارادونا، ساعد أبويك، ساعدنا على تحمل هذه الحياة، وساعد هذا العصر على الخروج من السأم والدخول في الحنين إلى البطولة الفردية. مارادونا، متى تحمل اسمك عن شفاهنا لنعود إلى قراءة هيغل ونيتشه؟»..
أترككم لمتابعة حرب مونديال روسيا 2018.

كامو.. درويش الكرة

 

وفي أدبيات الأدباء الغربيين سنجد كثيرا من الأقوال الشهيرة التي تنم عن شغف ومعرفة بكرة القدم، الأديب والفيلسوف الفرنسي- الجزائري ألبير كامو لم يكن من دراويش كرة القدم فقط، وإنما كان في عام 1930 يحرس مرمى فريق كرة القدم في الجامعة الجزائرية، وربما حرم الأدب العالم من حارس مرمى كبير، يقول كامو عن تأثير كرة القدم فيه «كل ما أعرف في حياتي أنا مدين به لكرة القدم».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *