يوم الجمعة.. فضائل وآثار وبركات

يقول الحقّ سبحانه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، ربّنا سبحانه خلق الخلق، ففضل الأنبياء على سائر النّاس، وفضل أزمنة على أخرى، ففضل بعض الشّهور والأيّام على بعض، وجعل من الأيّام مواسم وأعيادًا، اصطفاء منه واختيارًا، فاختار للمسلمين من أيّام الدّنيا ثلاثة أعياد، عيدين يأتيان في كلّ عام مرّة، عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد يتكرّر كلّ أسبوع، وهو يوم الجمعة الّذي قال فيه عليه الصّلاة والسّلام: “إنّ يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلّا أن تصوموا قبله أو بعده”.

إنّ يوم الجمعة من أعظم الأيّام عند الله قدرًا، وأجلّها شرفًا، وأكثرها فضلًا، فقد اصطفاه الله تعالى على غيره من الأيّام، وفضله على ما سواه من الأزمان، واختصّ الله به أمّة الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم، هذا اليوم ضلّت عنه اليهود والنّصارى: “أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنّصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة”.
من فضائل هذا اليوم أنّه خير يوم طلعت فيه الشّمس، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنّة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم السّاعة إلّا في يوم جمعة، كما ورد ذلك في الآثار الصّحاح، ومن بركاته أن الله يغفر لعبده ما ارتكب ما بين الجمعتين من آثام وخطايا، إذا اجتنب الكبائر: “الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفّارة ما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر”.
وإذا كان هذا اليوم بهذه الفضائل وهذه المزايا فحريّ بنا أن نعتني به، فقد شرع الله في هذا اليوم الغُسل وجعله أمرًا مؤكّدًا: “غسل الجمعة واجب على كلّ محتلم”، وهذا يدلّ على تأكيد الغسل وأهمّيته، كما شرع التطيُّب ولبس أحسن الثّياب: “مَن اغتسل يوم الجمعة، وتطهَّر بما استطاع من طهر، ثمّ ادهن أو مسّ من طيب، ثمّ راح فلم يفرق بين اثنين، فصلّى ما كتب له، ثمّ إذا خرج الإمام أنصت، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى”.
وقد ندّب الشّارع الحكيم للمسلم أن يجتهد في التّبكير إلى الجمعة، لمَا في ذلك من الفضل العظيم والخير العميم: “مَن اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثمّ راح، فكأنّما قرّب بدنة، ومَن راح في السّاعة الثانية، فكأنّما قرّب بقرة، ومَن راح في الثالثة، فكأنّما قرّب كبشًا أقرن، ومَن راح في السّاعة الرّابعة، فكأنّما قرّب دجاجة، ومَن راح في الساعة الخامسة، فكأنّما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر”.
إنّ الّذي يبكر إلى الصّلاة يوم الجمعة يكون له من الأجر كمَن اشترى شيئًا ممّا ذكر في الحديث ووزّعه على فقراء المسلمين، فمَن ذهب في السّاعة الأولى كان كمَن اشترى من ماله الخاص بدنه فذبحها ثمّ وزّعها على فقراء المسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ومن فضائل هذا اليوم المبارك أنّ الملائكة يجلسون عند مداخل المسجد، يكتبون الأوّل فالأوّل من المصلّين: “إذا كان يوم الجمعة كان على كلّ باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأوّل فالأوّل، فإذا جلس الإمام طووا الصّحف وجاءوا يستمعون الذِّكر”.
فما أعظم أجر هذا اليوم المبارك، فهنيئًا لمَن بكَّر وأتى قبل حضور الخطيب، فتشرّف بكتابة اسمه في السجلات الّتي تحملها الملائكة، فأجر التّبكير إلى الجمعة كبير جزيل، أضِفْ إلى ذلك أنّ المبكر إذا دخل المسجد فاشتغل بالصّلاة والذِّكر وقراءة القرآن حصل على خيرات كثيرة، والملائكة تستغفر له طيلة بقائه في المسجد، ولكن ومع كلّ أسف، كثير من النّاس زهد في هذا الأجر، فصار لا يأتي لصلاة الجمعة إلّا في آخر لحظة، ومنهم مَن يأتي وقت الخطبة فقط أو في آخرها، وهذا أمر مشاهد، يدخل الخطيب المسجد فلا تكاد ترى إلّا بعض الصّفوف، وما أن يشرع الخطيب في الخطبة فيبدؤون في المجيء، ومنهم مَن يتأخّر حتّى قبيل الإقامة، وهذا لاشكّ تثبيط من الشّيطان، وضعف في النّفوس، فإلى المُشتكى وهو وليّ كلّ توفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *