من المنتظر أن تنظم تونس خلال الأيام القليلة القادمة، “حوارا وطنيا” فرضه وضع اجتماعي متفجر واحتجاجات في عدة محافظات تطالب بتوفير فرص عمل وتحسين ظروف المعيشة وتندد بالتهميش.

هذا “الحوار الوطني” هو مبادرة أطلقها الاتحاد العام التونسي للشغل مطلع يناير/ الجاري، وأعلن رئيس البلاد قيس سعيد، مؤخرا قبوله بمبادرة الحوار.

الرئاسة أعلنت أيضا أن الحوار لن يكون كسابقيه، وأنه سيأتي لتصحيح مسار الثورة وسيعمل على إشراك الشباب، وأن من أهدافه عدم التحاور مع “الفاسدين”.

تجربة الحوارات ليست بجديدة على تونس التي عصفت بها سنة 2013 أزمة سياسية وأمنية، عقب عمليتي اغتيال سياسي وأعمال إرهابية أودت بحياة زعيمين للمعارضة اليسارية وجنود في مرتفعات الشعانبي (غرب)، وتشكل على إثرها “رباعي” راعٍ لحوار وطني لتطويق الأزمة.

وهي تجربة كُللت سنة 2015 بجائزة نوبل للسلام، وكانت محط أنظار العالم.

واعتبر محللان سياسيان، في حديثين ، أن أهداف الحوار المقبل يجب أن تكون واضحة، ولا يقصي أي طرف مهما كان توجهه، ولا بد من الخروج باتفاق حول ضبط مرحلة سلم اجتماعي وحلول لإنهاء الوضع الصعب الذّي تمر به البلاد.

** برنامج إنقاذ وطني

قاسم الغربي، الباحث في الفلسفة السياسية، قال ، إن “للحوار هدفان رئيسيان أعلنهما الاتحاد، أولا إيجاد حلول للأزمة السياسية الرّاهنة، وثانيا الاتفاق على برنامج إنقاذ اقتصادي واجتماعي. عبر الحوار يمكن إيجاد نوع من التوافق الوطني حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية”.

فيما قال أحمد الأبيض، محلل سياسي وباحث في القضايا الاجتماعية، إن “البلاد تعيش وضعا متأزما، إضافة إلى غياب قانون يسمح لحزب أو حزبين بأن تكون لهما أغلبية برلمانية واضحة تمكنهما من وضع برنامج اقتصادي واجتماعي وتطبيقه طيلة عهدتهما ومحاسبتهما على ذلك فيما بعد”.

وأضاف الأبيض أن البلاد تعيش تجاذبات كثيرة في ظل وجود بقايا (الحزب المنحل) “التجمع الدستوري” تريد إرباك العمل البرلماني، ورئيس دولة ومن يقف وراءه (لم يحددهم) ولهم مشروع لتغيير الدستور وإعادة الحكم الفردي بالبلاد، فضلا عن اتحاد الشغل الذّي لم يجد منافسا له ويريد أن يتدخل في المسار السياسي بالرغم من مجاله النقابي”.

وأعلنت رئيسة الحزب، عبير موسى، مرارا، أنها تناهض الثورة الشعبية التي أطاحت في 2011 بنظام الرئيس آنذاك، زين العابدين بن علي (1987 – 2011).

وتابع الأبيض: “تكاثر المتدخلين في الشأن السياسي، وكل يجذب البلاد إلى منطقته، في حين أنها في حاجة إلى تغيير قانون الانتخاب، بما يسمح بوجود قوة أو قوتين في الحكم”.

وحاليا، في تونس حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب السياسية، برئاسة هشام المشيشي، صوّت لصالحها في البرلمان يوم 2 سبتمبر الماضي، نواب من كتل حركة النهضة، وقلب تونس، والإصلاح، وتحيا تونس، والكتلة الوطنية، والمستقبل (لم تعد موجودة)، إضافة إلى نواب مستقلين.

** شروط الرئاسة وخفاياها

اعتبر الغربي أن “الأهداف الحقيقية للحوار تختلف من طرف إلى آخر.. الرئاسة ترددت في البداية في قبول مبدأ الحوار، ثم قبلت شريطة تشريك الشباب وتصحيح مسار الثورة وعدم التحاور مع الفاسدين وفق ما عبر عنه سعيد.”

ورأى أن “كلا الشرطين غامضين، فالرئاسة لم توضح من هم الشباب المعني بالمشاركة في الحوار الوطني المرتقب، وما إذا كانوا من فئة عمرية معينة أو أن يتم اختيارهم صدفة أم كيف.. يجب أن تكون هناك آليات لتحديد من يمثل الشباب”.

وتابع: “هناك شكوك في إمكانية أن يكون الحوار مدخلا لتبني الرئيس سعيد تنسيقيات شبابية معينة، سواء منها من تقود حاليا الاحتجاجات في محافظات أم من قامت بالحملة الانتخابية لفائدته (عام 2019)”.

وأردف: “لا بد من إيجاد صيغة قانونية لتشريك الشباب عبر منظمات المجتمع المدني أو الاتحادات الطلابية أو غيرها، وإذ لم نجد صيغة قانونية ستصبح الشروط التي حددتها الرئاسة غامضة”.

ورأى الغربي أن “الشرط الثّاني الذّي طرحته الرئاسة، وهو تصحيح مسار الثورة وعدم التحاور مع الفاسدين دون تحديدهم، وفي ذلك نوع من الإقصاء بقطع النظر عن أي طرف”.

وقال الأبيض إن “هناك تنسيقيات شبابية في كامل البلاد ولا أحد يعرف تفاصيلها، خاصة تلك التّي عملت لصالح سعيد في الانتخابات الرئاسية”.

وزاد بأن “هذا الحوار قد يكون لفائدة سعيد عبر توسيع حضوره في الفضاء السياسي والإعلامي وتمهيدا للانتخابات المقبلة”.

وأوضح أنه “إذا تم الحوار تحت إشراف الرئاسة، فسيعتبره مكسبا له (سعيد) وسيمنحه مزيدا من الترويج له للانتخابات القادمة”.

وفيما يتعلق بشرط إشراك الشباب في الحوار، قال الأبيض إنه “لا بد من تحديد من هو الشباب المعني بالمشاركة، ومن سيمثلهم في الحوار، وبأي مقدار.. ينبغي وجود صيغة قانونية ودستورية لهؤلاء الشباب (أي أن يكون وجودهم منظما ضمن مجتمع مدني مثلا) وإلا سنعوم الحوار، ولن يكون ناجحا”.

** حوار لا يقصي أحدا

قال الغربي إنه “يفترض أن لا يقصي الحوار الوطني أي حزب، بما فيهم الدستوري الحر مثلا، الذي لا يؤمن بالثورة “.

وتابع: “الحوار الوطني يُنظم بين أطراف متصارعة لإيجاد حلول وتوافقات والخروج باتفاقات”.

وأردف: “الديمقراطية لا تقصي أي طرف، خاصة من يمثلون جزءا من المشهد السياسي وجزءا من الشعب التونسي الذي انتخبهم، هو لا يقصي سوى من يمارس العنف”.

واعتبر الأبيض أنه “لا يمكن أن نتحدث عن حوار ونحن نستبعد آخرين، فالحوار الوطني لا يستثنى إلا من يستثني نفسه”.

وأضاف: “كل يريد أن يقصي خصومه، الاتحاد مثلا يعتقد أنه يريد أن يفضح من يتجاوز مجال عمله”.

وزاد بأن “عملية الإقصاء لا تتناسب مع الحديث عن حوار وطني، بل يجب أن يكون مفتوحا على الجميع”.

واستدرك: منذ “البدء وضعت عقبات أمام نجاح الحوار بعمليات الاستبعاد وخلق أنواع من التكتلات، وبذلك استبعد نجاح هذا الحوار، فلن ينجح الحوار إلا إذا خرجنا من عمليات الاستثناء”.

ورافق الإعلان عن مبادرة الحوار الوطني جدل حول إقصاء أطراف، وأكد سعيد في خطاباته الأخيرة رفضه الحوار مع “الفاسدين” (لم يسمهم).

وراج في وسائل إعلامية محلية أن سعيد كان يصر في البداية على إقصاء حزب “قلب تونس- ليبرالي”، وأنه هو المقصود بـ”الفاسدين”، خاصة بعد توقيف رئيسه نبيل القروي، بتهم فساد وتبيض أموال .

فيما أعلن الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل، المتحدث باسمه، سامي الطاهري، أنه سيتم إقصاء ائتلاف الكرامة، معتبرا أن هذا الائتلاف أقصى نفسه بنفسه، لأنهم يرفضون الحوار، ويعتبرون أي مبادرة قفزا على الشرعية، ولا يؤمنون بالحوار، وكانوا وما زالوا سببا في الأزمة داخل البرلمان والمجتمع، على حد قوله.

** أجندة مخفية

اعتبر الغربي أنه “قد تكون هناك أجندة مخفية، هي الرغبة في تغيير النظام السياسي القائم نحو نظام رئاسي.. لابد أن تكون أهداف واتجاهات الحوار واضحة”.

وتابع: “مهما كانت الخفايا والتناقضات، فإن الواقع الاقتصادي والاجتماعي يفرض على جميع الأطراف إنجاح الحوار، لأنه يجب الاتفاق على حد أدنى مشترك في مستوى الخيارات”.

وقال الأبيض إن “الرئيس سعيد لم يقبل في البداية بالحوار، وأراد أن يجد نوعا من التحالف بين اتحاد الشغل وحركة الشعب والتيار الديمقراطي (الكتلة الديمقراطية)”.

وأضاف أن الأمين العام لاتحاد الشغل، نور الدين “الطبوبي عندما حصل ذلك لجأ للبرلمان ليستقوي به.. لكن الائتلاف المكون للحكومة يرى أيضا أن كل حوار خارج البرلمان هو عبارة عن محاولة تهميش له”.

ورأى أنه “يجب الاتفاق على أنه ثمة مصالح لا يمكن المساس بها اليوم، أبرزها إنتاج الفوسفات، خاصة وأن تعطيله (عبر احتجاجات تطالب بتوفير فرص عمل) كلّف البلاد كثيرا، وكان بالإمكان عدم الالتجاء إلى الاقتراض لو لم يتعطل إنتاج الموارد الطبيعية، مثل الفوسفات والنفط.”

وختم بأنه “إذا أردنا أن يكون الحوار إيجابيا فيجب أن نلتقي حول حلم، ولا بد من سنتين أو 4 سنوات سلم اجتماعي، وعدم تنفيذ إضرابات وعدم زيادة أجور وتحديد أولويات تحرص الحكومة على إنجازها”.