أنقرة تبني السدود.. وطهران تقطع المياه

بات العراق الذي عرف عبر التاريخ بـ«بلاد ما بين النهرين» يعاني أزمة مياه بلغت ذروتها هذا العام، إذ إن الإيرادات المائية التي وصلت إليه أقل من نصف المعدل المطلوب، الأمر الذي ألحق أضراراً كبيرة بالزراعة والثروة السمكية وقطاعات أخرى عديدة، وأشعل مواجهات بين العشائر في الجنوب، بسبب تقليص الحصص المائية، وتضرُّر المساحات الصالحة للزراعة.
وما الاضطرابات وأعمال العنف التي تشهدها المدن الكبرى في العراق إلا صورة واضحة عن معاناة الناس من نقص كميات المياه وقطع للكهرباء والتي تسببت كل من أنقرة وطهران.
صحيفة نيويورك تايمز أوضحت أن حال أنهار العراق، يذكرنا بعلامات يوم القيامة كما وردت في الكتب المقدسة ونبوءات العرافين! وكان الباحث العراقي علاء اللامي قد أصدر في 2012 كتاباً بعنوان «القيامة العراقية الآن: كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين».
العراق يودع زراعة الأرز العريقة العالية الجودة والمعروفة باسم «العنبر» ومعها سبعة محاصيل أخرى، كما يقول اللامي، والعواصف الترابية تضرب مدنه وأريافه يومياً تقريباً، والأسماك انقرضت، والأهوار والمسطحات المائية الجنوبية تحولت براري موحشة، بعدما كانت لسنوات خلت من أكبر المحميات الطبيعية على وجه الأرض.

تناقص الإيرادات المائية
نقل النائب السابق لرئيس الجمهورية عادل عبد المهدي، عن الخبير المائي النرويجي جون مارتن تروندالن، الذي زار العراق اخيرا قوله ان «دجلة والفرات باتا نهرين ميتين أو يسيران حثيثاً خلال (20) عاماً نحو هذه النهاية». وكان تقرير لليونسيف قد حذر في 2011 من احتمال الزوال الكلي لنهري دجلة والفرات بحدود سنة 2040.
وقال خبير عراقي «قبل عقدين، كانت إيرادات نهر دجلة تفوق 50 مليار متر مكعب سنوياً، وتراجعت في الفترة الأخيرة إلى ما دون 7 مليارات متر مكعب سنوياً. فيما كان إيرادات نهر الفرات ألف متر مكعب في الثانية، وتصل حالياً إلى 180 متراً مكعباً في الثانية»!
وقد جاء العراق وسوريا في مقدمة 19 منطقة حذر خبراء وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» من تناقص المياه العذبة فيها بشكل ملحوظ، مرجعين افراط البلدين في الاعتماد على المياه الجوفية خلال السنوات الأخيرة الى اقامة تركيا 22 سدا على دجلة والفرات خلال العقود الثلاثة الماضية.
ووراء الأزمة، اضافة الى العوامل الطبيعية، السدود التي اقامتها تركيا على نهري دجلة والفرات، وتحويل ايران لمجاري الأنهار الفرعية التي تنبع من اراضيها وتصب في العراق، والسياسات التي ينتهجها العراق لإدارة ثروته المائية..
العراق بين فكي كماشة، تركيا وإيران، تركيا تعتبر مياه دجلة والفرات ملكا لها، ولا تراعي احتياجات العراق، وايران تبني السدود والأنفاق وتقطع المياه عن العراق، مستخدمة المياه ورقة ضغط على بغداد، رغم ان الأعراف والقوانين الدولية تؤكد أن على دول المنبع الا تضر بدول المصب، بإنشاء السدود من دون التشاور معها.
وتسعى بغداد إلى عقد اتفاقية مع انقرة لتحديد حصتها المائية، كما تواصل التفاوض مع طهران للتفاهم في شأن المياه. وهناك توجه عراقي لطرح نحو 25 مليون دونم من الأراضي الزراعية العراقية للاستثمار، وتشجيع المستثمرين بحيث تقوم الشركات الاستثمارية بتطوير واقع الري. كما يجري العمل على مكافحة تلوث الأنهار، ومواجهة آثار الاحتباس الحراري، وانشاء مصانع لوسائل الري الحديثة، لتقليص هدر المياه..

سد «اليسو» التركي
عندما اشتدت ازمة جفاف نهر دجلة في بعض المناطق، ووجه بعض العراقيين اصبع الاتهام الى سد اليسو التركي المقام على النهر، اعلن وزير الموارد المائية العراقي حسن الجنابي ان الجفاف «ليس ناتجاً عن بدء ملء سد اليسو، وان الشح الناتج عن ملء السد لم تبدأ آثاره بعد». وقد حذّر الخبراء من ان هذا السد يهدد العراق بكارثة، فهو ثاني اكبر السدود التركية، بعد سد اتاتورك، وخزانه المائي يعتبر الاكبر في العالم (سعة الخزان 10.400.000.000 م³، 7.460.000.000 م³ منها مخزون نشط و2.950.000.000 م³ مخزون غير نشط).
وبحسب وزارة الموارد المائية العراقية، فإن وارد نهر دجلة الطبيعي من المياه عند الحدود التركية البالغ نحو 20.93 مليار متر مكعب سنويا سينخفض بسبب سد أليسو إلى 9.7 مليارات متر مكعب. والسد سيحرم 696 ألف هكتار من الأراضي الزراعية العراقية من المياه.
وقد ادت السدود التي اقامتها تركيا على نهر الفرات الى تقليص كمية مياه النهر التي تصل الى العراق إلى نحو %40. ولا اتفاق نهائياً لتقاسم مياه الفرات بين الدول المتشاطئة (تركيا وسوريا والعراق) إلا أن الاتفاقية السورية التركية المؤقتة لعام 1987 تنظم الحصص بين سوريا وتركيا، وتحصل بموجبها سوريا على معدل تدفق لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات، في حين اتفقت سوريا والعراق عام 1989 على ان تطلق سوريا %58 من مياه نهر الفرات الواردة إليها من تركيا، وتكون الحصة الباقية لها وهي %42.
ولأن «ثلثي مياه العراق من دول الجوار، ولا خيار غير التعاون معها»، كما قال الوزير الجنابي، فإن بغداد حاولت ولا تزال تحاول اقناع تركيا بزيادة الاطلاقات المائية للعراق، خصوصا خلال اشهر الصيف. وكان وزير الزراعة فلاح اللهيبي قد قال ان تركيا اذا لم تتوقف عن ملء سد اليسو، فيجب عليها زيادة الاطلاقات المائية، لان جنوب العراق يعاني بسبب نقص المياه. واشار الى منع الفلاحين من زراعة الارز والذرة الصفراء والدخان، وتنزيل الحنطة والشعير والخضروات الى النصف بسبب شح المياه. ودعا الحكومة التركية الى تخصيص جزء من المبلغ، الذي تبرعت به في مؤتمر الكويت لاعادة اعمار العراق، لتقنيات الري الحديثة التي تعود على العراق بالفائدة الاقتصادية.

حتى شمال الخليج
وبحسب تقدير الباحث نوار جليل هاشم، فإن العراق سيفقد 11 مليار متر مكعب من المياه في السنة. ويقول الباحث علاء اللامي ان كميات مياه النهر الواردة إلى العراق ستنخفض إلى أقل من النصف، الامر الذي سيؤدي إلى إخراج ثلث الأراضي الزراعية من الاستخدام، لتتحول الى صحارى، كما ان السد سيحرم أعدادا كبيرة من السكان من مياه الشرب، وسيلوث مياه الشرب المتبقية، لأنها ستمر في مولدات الطاقة الكهرومائية، ويضاف إليها ما يخرج من مياه ملوثة من منظومات الصرف الصحي للمدن الواقعة على نهر دجلة، وسيرتفع مستوى التلوث والملوحة في هذه المياه إلى 1800 ملغ/لتر، كما هي الحال في مياه الفرات التي تسمح تركيا وسوريا بمرورها الى العراق، بعد تشبعها بالملوثات والاملاح الناتجة عن الاستهلاك والزراعة والصناعة في سوريا.
وأكد الخبير في الامم المتحدة قيس المياح، أن مياه نهر دجلة غير صالحة للاستهلاك البشري، إذ يرتفع فيها نسب التلوث في مادة واحدة أكثر من 2400 في المئة، والطبيعي يجب أن تقل عن 5 في المئة.
ويشير اللامي الى ان نسب الملوحة والتلوث سترتفع في مناطق الاهوار، وان انخفاض منسوب المياه في دجلة سيؤدي الى توقف العمل في منظومات توليد الطاقة الكهربائية المقامة على النهر، خصوصا في سدي الموصل وسامراء، كما ستنخفض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في مواسم الجفاف كبحيرتي الثرثار والحبانية.
كذلك ستمتد تأثيرات سدود تركيا، خصوصا سد أليسو، حتى شمال الخليج العربي، ويشير اللامي الى أن الدراسات العلمية والعينات المأخوذ من سواحل الكويت دلت على أنَّ تأثيرات ضارة بسبب المياه الملوثة قد رصدت في مناطق صيد الاسماك والروبيان.

الضغط الإيراني
في يونيو الماضي، قطعت إيران بشكل مفاجئ مياه نهر الزاب الصغير الذي يزود إقليم كردستان العراق بالمياه، وأكد وزير الزراعة والموارد المائية في الاقليم ان القطع المفاجئ للمياه اضر بأكثر من 80 الف شخص، وقالت سلطات مياه محافظة السليمانية أن سبب انخفاض منسوب المياه في نهر الزاب الى نحو 80 سنتيمترا هو قيام إيران بإنشاء سد «كولسه» في منطقة زردشت.
واوضح المدير العام للسدود في الاقليم ان الواردات من نهر الزاب قبل المشكلة كانت تصل الى 140 مترا مكعبا في الثانية، وانها انخفضت الى 56 مترا مكعبا، واشار الى ان القانون يسمح بتخزين المياه من منتصف اكتوبر حتى نهاية يونيو لكن السلطات الايرانية قطعت المياه في بداية يونيو، منتهكة العرف الدولي. وأشار الى ان القطع الإيراني للمياه ليس الاول، فقد حدث العام الماضي 2017.

شط العرب والنخيل
وفي مطلع يونيو الماضي، قالت شبكة «رووداو» الإعلامية ان إيران أقامت مشروعين مائيين على نهر الزاب الأسفل، ومشروعاً على نهر سيروان، وآخر على نهر ألوند، لتغير مسارات الأنهار الثلاثة المشتركة مع إقليم كردستان باتجاه عمق الأراضي الإيرانية.
واذا كان الجانب التركي يبدي شيئا من التفهم لاحتياجات العراق المائية، فإن الجانب الايراني لا يبالي، بل يستخدم ورقة المياه اداة ضغط على بغداد. وقد اعتبر نائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي المشاريع والتهديدات الإيرانية أخطر بكثير من مثيلتها التركية. وكشف أن هناك 42 نهراً ووادياً تنبع من الأراضي الإيرانية وتصبّ في الأنهار العراقية، منها 22 نهراً رئيسياً، أقامت إيران عليها سدوداً وخزانات. وتحدث عن مجزرة تحدث لغابات النخيل في محافظة البصرة، التي تستقي من شبكة الجداول التي تصب في شط العرب، فبعد أن قطعت ايران مياه نهر قارون، عن شط العرب بسد اقامته عليه، ولقلة الوارد من مياه دجلة والفرات، انخفضت المياه في شط العرب إلى أدنى مستوياتها، مما جعل مياه الخليج المالحة تصعد شمالاً، وتجتاح شبكة جداول غابات النخيل، لتذبل وتموت تباعاً.
وكانت إدارة الموانئ العراقية قد اعلنت رفض إيران لاخلاء شط العرب من الغوارق العراقية وتعميقه، مما جعل الملاحة فيه شبه مستحيلة، فقد جعلته إيران مكبا لنفايات مصافيها النفطية ولمياه الصرف الصحي.

تجاوزات خطرة
ويرى اللامي ان التجاوزات الايرانية الخطيرة ترقى إلى درجة العدوان على أنهاره ومياهه. ويذكر من تلك التجاوزات: حفر نفقين جبليين ضخمين لنقل مياه نهر «سيروان» إلى الداخل الإيراني، وإقامة سد ضخم على نهر القارون «المسرقان» وقطع مياهه عن العراق، وتلويث وحجب معظم مياه نهر وادي كنكير، وقطع مياه نهر «قره تو» تماما، وإقامة سد ترابي ضخم على نهر «دويريج» الصّاب في «هور المشرح» وقطع مياهه عن العراق، قطع مياه نهر «كرخة» بعد بناء عدة سدود عليه، وإقامة سد على نهر الطيب وقطعه عن العراق، وشق عدة قنوات تأخذ مياهها من نهر «هركينة»، مما أدى إلى تناقص مناسيبه داخل العراق بشكل حاد، وتحويل مياه نهري «الوند» و«جنكان جم» إلى إيران، مما أدى إلى جفاف مناطق عراقية وهجر أغلبية السكان لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *