الأستاذة نجلاء عطية تقدم كتابها بعنوان “معركة دامية”

لأني كثيرة الأعطاب، كنت ولازلت أتردد على المستشفيات وأكاد أجزم أني قضيت في أغلبها أياما عديدة حتى لا أقول شهورا مريرة ومثلت لي تلك التجربة رغم ما فيها من شقاء ومتاعب درسا عظيما في الوجود إذ مكنتني من الاقتراب من أناس يتشابهون حينا ويختلفون في أكثر الأحيان واكتشاف معادنهم وأرواحهم وتقوية مناعتي الإنسانية فصرت أقل تذمرا وأكثر واقعية مما كنت عليه . هكذا تجاوزت ما بي من علل و وتصالحت مع الحياة ، نسجت لنوائبها خيوطا من حرير لابقي على الأمل فضفرت ببعض التوازن وتجرعت كؤوس علقمها على أنه شفاء عجيب لا يقدر عليه إلا أصحاب العزائم القوية وكم اشتد عودي …. فقد تأكدت أن الضعف وما أمره يبقى أقصر طريق يعلمنا القوة وأن المرض أصعب امتحان يجتازه الحب والعطاء …
أقبل الشتاء قارسا مفزعا لأنه حمل لي معه كعادته التهابات بالصدر وسعال حاد بقي يشتد إلى أن خذلتني رئتاي وأجبرت على الدخول إلى المستشفى الصغير بقريتنا النائية فلا يضاعف صقيع روحك الشقية بذاتها إلا قسوة الطبيعة لحظة تتامر عليك مع الفقر والاحتياج….فبعض البشر خلقوا لا ليستمتعوا بالحياة بل ليجابهوا ضربها الموجع في كبرياء …لا يخشون القبر بل يحلمون أن يموتوا ميتة تشرف كل المعذبين في الأرض…بقيت بذاك المكان البالي جسدا هزيلا منسيا يدير شؤونه القدر بأعجوبة كبيرة وبعد مضي أسبوعين كاملين من المعاناة ونظرا لغياب المعدات ونقص في الأدوية تعكرت حالتي ونقلوني إلى مستشفى كبير بالعاصمة . كنت على يقين أني سأبقى هناك مدة طويلة فالنزلة هذه المرة شديدة إلى درجة أني فقدت القدرة حتى على المشي… 
ووجدتني أتقاسم الغرفة مع إمرأة طاعنة في السن سبقتني إلى هناك منذ أسابيع….
لم أكن أسوأ وضعا منها إذ كانت مسجاة على فراش الموت وأبناؤها وبناتها من حولها لا يفارقونها إلا في الساعة العاشرة ليلا حين يجبرهم المسؤول على ذلك. يبقون معها لا يشغلهم أمر إلا العناية بها ولا سيرة لهم إلا تكرار ما قاله أو تنبؤ ما سيقوله الطبيب عن حالتها وقد داهمها المرض فأفقد جسمها المناعة ونخر عظامها السقام إلى أن غابت عن الوعي. مرت الأيام و الساعات بطيئة موجعة ولم يخففها ربما إلا وجه ذاك الممرض المفعم بالحياة وهو يتنقل بين الأسرة ، وبيده دفتر للكشف يسجل عليه درجات حرارة أجسام محمومة ودقات قلب تحتضر .كان يحاول جاهدا أن يزرع الأمل في الهشيم ولسوء الحظ فإن عباراته على لطفها فإنها لم تخفف من جزع هؤلاء الأبناء . كان التوتر عاليا جدا في كل واحد منهم ولكنهم اتفقوا جميعا على الصمت. يجمعهم المكان غير أن لكل واحد حكايته الذي هو بصدد عيش تفاصيلها مع أمه بمفرده …لست أدري لماذا تذكرت في ذاك المقام أغنية” لشارل أزنفور ” “لّ مّامّا “ولم أكن لأستمع إليها أو أحفظ اسم هذا المطرب الرائع لو لم أكن في مرة سابقة مع مريضة تتقن الغناء والعزف ،…. أغنية تبين أن وإن تتفق الشعوب حول قيمة الأم فإنها تتباين تماما في علاقتها بالموت والفراق …نحن وللأسف نعبش المأساة قبل حدوثها ونبقى نجترها الى أن تقضي علينا … كان كل واحد هنا يخشى أن ينظر في عيني الآخر حتى لا يجهش بالبكاء . وكانت إحدى بناتها واظنها الكبرى منشغلة بالدعاء وتلاوة ما تيسر من القرآن ومن حين إلى آخر تقبل جبين أمها وتتكئ على الحائط وترفع يديها الى السماء وتبقى تبسمل وتبتهل الى ان يتلاشى صوتها ويتهاوى جسدها على الكرسي في ضعف شديد أمام المصاب وما تكاد تجلس حتى تعاود الوقوف وكأنها تطرد من رأسها فكرة سوداء هاجمتها وتبقى تجس نبض أمها في حنو : لاباس لاباس، أمي لاباس، صدقوني صدقوني أمكم لاباس يا وخياتي…محاولة فاشلة لا يصدقها أي من اخوتها ورغم ذلك يسري في عروقهم شيء من الطمأنينة لبضع لحظات .كنت ممدة على الفراش المجانب لفراش تلك الخالة التي أحببتها رغم أنها لم تفتح عينيها ولم أسمع صوتها…أحببتها من حب أبنائها لها وصدقا لم أشعر بالوحدة رغم أن عائلتي لم تكن معي، فأبي متوفى ونحن من قرية فقيرة منسية وأمي منشغلة عني بعشرة اخوة كلهم أصغر مني سنا . بالمستشفى غربتي مضاعفة ووحشتي أقسى من المرض ولكني كم أكابر ..كنت اكابد أوجاعي بشجاعة وأحاول أن أهون عليهم ببعض كلماتي الخجلى فتقبلني الأولى بحرارة وتدعو لي الثانية بالشفاء وتهب أخرى صوبي لتغطي أطرافي فلم أكن أقوى على شيء . شعرت بميل شديد لتلك العائلة وكنت أدعو للأم المريضة في سري فكم كانت دموع أبنائها النجيعة تؤذيني و آهاتهم الحبيسة تعصف بجدران فؤادي الملتاع … واقترب المساء بكسائه الموحش وهم على تلك الحال من الترقب المضني ولم يبرح أحد مكانه أملا في أن تفتح الأم عينيها أو تنطق شفتاها إسمه فيكون محظوظا بأن يتمسح ببقاياها ويجدد امامها عهود الطاعة والولاء وفجأة نهض أحدهم وهو الأثرى على ما يبدو وعدل قليلا من هيأته وقال: 
يجب أن نأكل شيئا كي نتمكن من الصمود ولن أسمح بأي اعتراض” يعيش وخياتي “…فتعالت الشهقات من هنا وهناك …ولوحت الأيدي بالنفي وتكورت الأجسام رافضة الإلتزام …فغادر الغرفة مبعثرا في استسلام . بدا واثقا أن ما كان يطلبه منهم ضربا من المحال إذ لا أحد قادر على بلع ريقه من شدة الحسرة ….
وكانت الصغرى ولست أدري لماذا حددتها كذلك أكثر الحاضرين غيابا ووجعا. تبكي دون توقف ولم تفارق يدها رجلي أمها. ترفض حتى أن تدير رأسها ذات اليمين أو ذات الشمال خشية أن تبتعد بنظرها ولو لومضة عن أمها ولم تفتح فاها إلا في مناسبتين وحيدتين مرددة نفس الجملة: 
هل حان موعد قدوم الطائرة؟ أرجو أن يكون بيننا قبل فوات الأوان ” وأدركت أن لهم أخا بالغربة وفهمت سبب توترها المضاعف…
ودخل صاحب الميدعة البيضاء…بدا كنبي وهو يقترب من سرير الخالة وطلب بابتسامة هادئة أن يغادرها الجميع على أن تبقى معه واحدة فقط لتساعده على الكشف وكان له ما أراد…
وخلف الباب تعالى البكاء في تضرع شديد …واشرأبت الأعناق رغبة في الاطمئنان …
وتناهى إلى مسمعي صوت إحداهن وهي تقول بنبرة حزينة تشوبها الدهشة : 
ها قد وصل أخي …وأعادت نفس الجملة أخرى ورأيت أطيافهم جميعا تجري لتلتف حول ذاك القادم وكثر الهرج في الممر ويمكنني أن أتخيل المشهد…وفي الحقيقة لم أكن مهتمة بما كان يقوله الطبيب للسيدة هنا لأن كلماته معظمها بالفرنسية لذلك شغلت نفسي بمن خلف الباب…وسمعته يسأل في لهفة 
كيف هي؟ هل هي بخير؟ هل طمأنكم الطبيب؟ هل بإمكاننا أن نعالجها بالخارج ؟ فتعالت الحشرجات من هنا وهناك….وغرق الجميع في صمت مميت….
وغادر الطبيب الغرفة وتلقفوه في لهفة يمنون النفس بكلمة واحدة ترد لهم أرواحهم الممزقة ولكنه اكتفى بأن دعا لها بالشفاء العاجل….
ودخلوا الواحد تلو الآخر منهكين من شدة اليأس واقترب الأخ القادم من الغربة من فراش تلك المرأة وما إن أمسك يدها حتى انتبه الجميع إلى أنها حركت يدها ثم فتحت عينيها فشهقوا شهقة عالية ارتجت لها أركان الغرفة ….شخصنا أمام هذه المفاجأة العجيبة ونطقت بصوت خفيض متقطع:
محمد، يعيش ولدي، المرحومة خلاتكم أمانة في رقبتي وانا وعدت بوكم باش نربيكم ونقريكم، اوعدني إنك تكون راجل العيلة وما تسلمش في وخياتك …” ولم أتمكن إلى هذه اللحظة من تجاوز ذاك المشهد المرعب وكم قرأت من الحب المتلفع بالخوف على وجه كل واحد منهم …
قبلها المسكين كمن يقبل الحجر الأسود ومسح وججهه المثقل بالحزن بكفها وهو يردد :
كل طلباتك مني أوامر وستكونين بخير، اهدئي أرجوك….
ولكنها لم ترد بل ابتسمت ابتسامة عريضة وبقيت تنظر اليهم الواحد بعد الآخر إلى أن وقع نظرها علي فزفرت بعمق واغمضت جفونها وترقرقت دموعي لأني كنت الأخيرة التي رأيتها قبل الرحيل….ولكنها لم ترحل…..
بقلمي: نجلاء عطية من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *