تحقيق شامل حول معجزات الله وأسراره في خلق النحل

أبدع المفسرون عند الحديث عن النحل وكشفوا كثيرًا من الأسرار الإلهية في هذا المخلوق لقد أودع الله كثيرًا من الأسرار في “حشرة” النحل، يعكف علماء الغرب على كشف هذه الأسرار برغم أن الدعوة للتفكر في أسرار النحل جاءت في القرآن الكريم، وليس غريبًا أن يجعل الله في القرآن سورة باسم النحل، وبرغم أن حديث القرآن عن النحل في هذه السورة لم يزد على آيتين في سياق السورة، فإنهما حملتا كثيرًا من الأسرار والمعاني؛ حيث صدر الله الآيتين اللتين تكلمتا عن النحل بقوله: “وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ..” ثم جاء الختام بقوله تعالى: “…إنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”؛ وهى دعوة صريحة للتفكر في حياة النحل ومن آخر هذه الدراسات ما نجح فيه باحثون في جامعة نوتنغهام ترنت البريطانية، من رصد وتسجيل أصوات وذبذبات يطلقها النحل، لتحفيز الأعضاء الكسولين أو صغيري السن على العمل بسرعة أكبر؛ حيث توصلوا إلى أن هذه الأصوات تصدر عن الأعضاء القدامى”أصحاب الخبرة” للحفاظ على معدل نشاط الخلية عند المستوى المطلوب وفور شعور النحل الخامل بتلك الأصوات والذبذبات يعود إلى نشاطه، وأن النحلة التي تتلقى الصوت تدب فيها الطاقة وتستمر في عملها بنشاط أكبر.

كما لو تناولت القهوة بحسب قول أحد الباحثين، مشيرًا إلى أن معظم الأصوات التنبيهية تصدر ليلًا؛ حيث تنشط مهام تحضير الطعام أو العناية بالصغار في الخلية، وقديمًا قال حكيم يونان لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا وهي بيوتها، قالوا: وكيف النحل في خلاياها؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالًا إلا نفته وأقصته عن الخلية؛ لأنه يضيق المكان ويفني العسل، وإنما يعمل النشيط لا الكسول.

وبحسب قول أحد أساتذة النحل بجامعة أسيوط فضل عدم ذكر اسمه، إن الباحثين لا يزالون يتوقفون عند أسرار النحل علهم يسبرون أغوارها، ومع كل يوم تتكشف للباحثين حقائق مذهلة تجعلهم يعودون سريعًا للتفكر من جديد في الآيات التي تحدثت عن النحل، مضيفًا لم يكن غريبًا أن أعرابيًا على فطرته تأمل ذات يوم في كلمة عسل فقرأها من جهة اليمين عسل، ومن جهة اليسار “لسع” فأمسك بنحلة ووضعها فوق الكلمة، وقال من الأمام أي من فم النحل يأتي العسل ومن الخلف يأتي اللسع فأسلم في الحال.

وأضاف الباحث، أن النحل يوجد منه نحو 20 ألف نوع استطاع الإنسان أن يرودها جميعًا إلا نوعين لا يزالان يعيشان حياتهما الأولى في دول شرق آسيا، ومنها العملاق والمتقزم، مؤكدًا أن النحل لديه قدرة فائقة على تمييز الوجوه بصورة تفوق قدرات البشر.

برغم أن مخ النحل ربما أقل من 1على 10آلاف من مخ الإنسان، وهو ما يزيد من دهشتنا لنقف عاجزين عن تفسير علمي يوضح كيف يفعل النحل كل ذلك سوى قوله تعالى: “وأوحى ربك إلى النحل..”كما أن النحل له لغته التي يتفاهم بها من الإشارة والحركة والرقص، فالنحلة فور عودتها بعد اكتشافها زهورًا قريبة غنية بالرحيق، تدور راقصة في حركة دائرية، وتخفق بجناحيها ثم تضع قطرة من الرحيق فيأتي النحل العامل ليحفظ رائحتها ثم ينطلق إلى الزهور، فإذا كانت الزهور المكتشفة بعيدة على مسافة أكثر من مائة متر، فإنه لا بد أن تشير النحلة إلى مكانها بالضبط؛ ولهذا ترقص على شكل دائرة يشقها خط إلى نصفين وهذا الخط يشير إلى اتجاه الحقل الذي فيه الزهور، وهى سوف تمشى على هذا الخط وهى تهز بطنها هزات سريعة إذا كان الحقل على مسافة متوسطة، وبطيئة إذا كان على مسافة كبيرة، وعيناها ستكونان دائمًا ناظرتين إلى اتجاه الحقل، وعلى الفور يفهم النحل العامل الإشارة، وينطلق إلى حيث يشير الخط على يسار الشمس أو يمينها، وبنفس الزاوية التي رسمتها النحلة أثناء رقصها فيصل إلى المكان تمامًا، وأحيانًا قد تستغرق مدة استكشاف الرحيل عدة ساعات قد يتغير فيها ميل ضوء الشمس ومع ذلك تراعي النحلة عند وصفها كل هذه الاختلافات.

الدكتور حسين بودي، الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، يقول: إن المفسرين عند تعرضهم للآيتين اللتين تحدثتا عن النحل ذكروا آراء كثيرة وتفسيرات منها أن الآيتين في سورة النحل جاءتا في معرض امتنانه سبحانه على عباده وذكره عز وجل عبرة على عبرة وعظة على عظة ومنة على منة، لكنه غير أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى إذا أودع في خلقه هذه الحشرة الضعيفة هذه الصنعة العظيمة، وجعل فيها هذه المنفعة وفيه عبرة أخرى: وهى أن الله أودع في النحل إدراكًا لصنع محكم مضبوط منتج شرابًا نافعًا لا يحتاج إلى حلب الحالب – كما في الأنعام – فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلًا على عظيم حكمة الله تعالى، فضلًا عما بعده من دلالة على قدرة الله تعالى، وفي تعبير المولى بكلمة (أوحى) أي: أنه تعالى سخَّرها لما خلقها له، وألهمها رشدها وقدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة، التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتًا على شكل مسدس من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال لكان فيما بينها خلل، ولما حصل المقصود؛ بل إن اختيار الشكل السداسي دون غيره يحتاج لتأمل فهو أكثر الأشكال ترابطًا وليس بينه أي فراغات، وقد نجد ذلك عمليًا في البلاط السداسي الشكل الذي يستخدمه الإنسان بديلًا للرصف فهو لا يتم لصقه بالأسمنت، وإنما اعتماده على ترابط هذا الشكل، فألهمها الله سبحانه وتعالى أن تبنيها على هذا الشكل المسدس، الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية ضائعة.

وألهمها الله تعالى أيضًا أن تجعل عليها أميرًا كبيرًا نافذ الحكم فيها، وهي تطيعه وتمتثل أمره، ويكون هذا الأمير أكبرها جسمًا وأعظمها خلقة، ويسمى يعسوب النحل يعني ملكها، وألهمها الله سبحانه وتعالى أيضًا أن جعلت على باب كل خلية بوابًا، لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها، وألهمها الله تعالى أيضًا أنها تخرج من بيوتها وتدور وترعى ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والفطنة.. دل ذلك على الإلهام الإلهي، فكان ذلك شبيهًا بالوحي، فلذلك قال تعالى: “وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ” وهي تدل على التكوين الخفي الذي أودعه الله في طبيعة النحل بحيث تساق إلى عمل منظم مرتب بعضه على بعض.

والتعبير بقوله: (فاسلكي) بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع النحل التنقل من زهرة إلى زهرة، ومن روضة إلى روضة، وإضافة السبل إلى ربك في قوله: (فاسلكي سبل ربك ذللًا) للإشارة إلى أن النحل مسخرة لسلوك تلك السبل لا يعدلها عنها شيء؛ لأنها لو لم تسلكها لاختل نظام إفراز العسل منها وتنكير كلمة «فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ» ففي هذا الشراب الذي يخرج من بطون النحل شفاء للناس.. أي أن في تناول الناس له شفاء لكثير من أمراضهم وعللهم، وليس لكل الأمراض والعلل.. ولهذا جاء التعبير القرآني «فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ» بالتنكير، ولم يجيء: «فيه الشفاء للناس»، الذي يدل بتعريفه على العموم والشمول، وهذا من حكمة الحكيم العليم.. فلو كان شراب النحل شفاء من كل داء لأدخل الخلل على نظام الحياة الإنسانية، التي لا تستقيم إلا مع الصحة والمرض معًا.

وعلى هذا الاعتبار ما جاء في الحديث الذي في الصحيحين عن أبى سعيد الخدري “أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلًا فذهب فسقاه عسلًا ثم جاء فقال يا رسول الله سقيته عسلًا فما زاده إلا استطلاقًا قال اذهب فاسقه عسلًا فذهب فسقاه عسلًا ثم جاء فقال الله ما زاده إلا استطلاقًا فقال رسول الله: صدق الله وكذب بطن أخيك فذهب فسقاه عسلًا فبري.. وعند تأمل قوله: «فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا» نجد الأمر الموجه إلى النحل بأن يسلك سبل ربه ذللًا، هو إذن من الخالق جلّ وعلا، للنحل أن ينطلق على طبيعته، وأن يسير على ما توجهه إليه غريزته؛ حيث لا تتصادم هذه الغريزة، بشيء غريب يدخل عليها من إرادة أو تفكير.. فالسبل التي تسلكها النحل في بناء بيوتها، وفى تناول طعامها، وفى الشراب الذي تخرجه من بطونها.. كل ذلك يجرى على سنن مستقيم لا ينحرف أبدًا، ويسير في طريق مذلل معبّد.. هو طريق الله، وهو فطرة الله.

وقد عاد الضمير على النحل بلفظ المفرد المؤنث: «اتَّخِذِي.. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.. فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ.. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ» مع أن «النحل» اسم جمع مذكر، وذلك أن المراد بالنحل هو «جماعة النحل» أو النحل في جماعته، من حيث كان النحل من الكائنات الحية التي لا تعيش إلا في نظام جماعي، تتألف منه وحدة منتظمة، أشبه بالوحدات الإنسانية، في أرقى المجتمعات؛ حيث تتوزع أعمال الجماعة على أفرادها، وحيث يؤدى كل فرد ما هو مطلوب منه في غير فتور أو تمرد.. ومن حصيلة العمل الذي تعمله هذه الجماعة، ويشارك فيه ذكورها وإناثها، وجنودها وعمالها، والملكة ورعيتها- من هذه الحصيلة يتكون الشراب المختلف الألوان، الذي فيه شفاء للناس.

ثم ختمت الآية بقوله تعالى: “إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون”: أي فيعتبرون ويستدلون على وحدانية الله وقدرته؛ فهناك دلالة واضحة على أن من سخّر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكلها، واتخاذها البيوت في الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها مما فيه شفاء للناس، هو الواحد القهار، الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك، ولا تصح الألوهية إلَّا له.

واختير وصف (التفكر) هنا لأن الاعتبار بتفصيل ما أجملته الآية في نظام النحل محتاج إلى إعمال فكر دقيق ونظر عميق؛ ولذا تصدرت الآيات بقوله وأوحى ربك.. واختتمت بقوله.. لآيات لقوم يتفكرون.. وهذا يعنى ألا يقف نظر الإنسان عند النحل وما يخرج منه من شراب عجيب؛ بل يجب أن يمتد النظر إلى آفاق فسيحة وراء أفق النحل.. فهناك الأزهار المختلفة التي يتغذى عليها النحل ويمتص رحيقها، وهى ألوان وطعوم.. كل لون منها، وكل طعم، فيه نظر لناظر، وعبرة لمعتبر.

طائفة نحل العسل

الدكتور ياسر عصام العناني مدرس تربية النحل بكلية الزراعة – جامعة القاهرة قال: إن الله تعالى يقول ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ النحل: 68, ﴿ثُمَّ كُلِى مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل: 69 ليأتي العلم ليثبت كل يوم أسرارًا من أسرار النحل ولابد أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق النحل قبل خلق الإنسان بملايين السنين وذلك لنقتدي به في نظام حياته وتنظيم أموره وسلوكياته.

كما تعتبر مملكة النحل هي أول الأنظمة التي كرم فيها الله عز وجل “الأنثى” بشكل عام؛ حيث جعل قائد ومايسترو طائفة النحل هى ملكة نحل العسل التي تمثل أساس بقاء طائفة النحل واستمرار حياتها سواء من خلال ما تفرزه من فيرمونات (وهي مواد كيميائية للتواصل بين أفراد الطائفة) للسيطرة عليها وتنظيم العمل أو من خلال قدرتها على وضع بيض (وسيلة تكاثر وزيادة النسل) للتناسل وإنتاج أفراد جديدة.

وأضاف العنانى كذلك نلاحظ أن الله عز وجل لم يتناول في آية (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) العسل فقط بل لقد توصل العلم إلى أن كيس السم الذي هو الأساس في إتمام عملية اللسع موجود أيضاً في البطن، وهو كذلك عبارة عن سائل (شراب) أيضًا بل وفيه شفاء للناس فكلمة شراب التي استخدمها القرآن واستقرت لدى العامة أنه العسل جاء العلم ليثبت أن هناك أشياء أخرى تدخل تحت هذه الكلمة وفيها شفاء أيضًا، وهو ما أثبتته الأبحاث العلمية؛ حيث وجد أن سم النحل يدخل في علاج العديد والعديد من الأمراض حتى المستعصي منها، كما أن العسل الذي هو أيضًا (شراب) سائل تكون له القيمة العظيمة كونه مصدر غذاء عالي القيمة وكذلك للوقاية والعلاج من العديد من الأمراض بفضل الله.

أفكار مغلوطة حول النحل

وأوضح العناني أن هناك العديد من الأفكار المغلوطة لدى العديد من الناس حول النحل ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أن يطلق على عسل النحل لفظ “عسل أبيض” في حين أن العسل كما ذكره الله سبحانه وتعالى أنه شراب مختلف ألوانه؛ حيث يتدرج لون العسل من الأصفر الفاتح وحتى اللون الداكن (الغامق) ومن المعلومات المؤكدة أنه كلما زاد اللون الداكن بالعسل زاد ذلك من قيمته الغذائية والعلاجية أيضًا؛ نظرًا لارتفاع محتواه من العناصر المعدنية المهمة جدًا لجسم الإنسان، كذلك ونظرًا لقلة المعلومات المطروحة في مجال النحل، فنلاحظ أن بعض الناس يجهل وجود العديد من منتجات النحل، ولا يعرفون سوى العسل فقط، فيجب أن نعرف أن هناك العديد من منتجات النحل الأخرى التي إذا أضيفت للعسل زادت من قيمته وفائدته لصحة الإنسان وهى مثل: الغذاء الملكي، البروبوليس (صمغ النحل)، حبوب اللقاح.

أعداء النحل

وللنحل أعداء كثيرة، منها: طائر الوروار الذي ما إن يسمع النحل صوته فقط دون أن يقترب من الخلية حتى يصيبها بحالة من الرعب فتعلن الملكة حالة الطوارئ والاستنفار التام دفاعًا عن الخلية، وكذلك دبور البلح، الذي يمثل وجوده خطرًا كبيرًا على سلامة الخلية إلا إذا كانت الخلية قوية، فالنحل في حياته مثله مثل الإنسان ضعفًا وقوة، فكلما كانت الخلية قوية كانت في معزل من الأعداء، وأحيانًا تلجأ الخلية القوية إلى عمل ما يشبه المناورات؛ حيث تخرج كتائب من الحراس لتشكل ما يشبه عنقود العنب أمام الخلية في إشارة واضحة إلى أنها على أهبة الاستعداد، وهذا الشكل فيه تخويف للدبور وفور مشاهدة أسراب الدبابير لذلك يولون باحثين عن خلية أخرى مستضعفة لمهاجمتها، ولو حاول الاقتراب تختطفه الشغالات وتقوم بقتله وإلقائه أمام الخلية ليكون عبرة لغيره، مؤكدًا أن الخلية عند الشعور بالخطر تتوقف جميع المهام داخلها وتتحول بأكملها لكتائب من الجنود للذود عنها مهما كلفها ذلك من تضحيات ليضرب النحل أروع سمات الوطنية والحفاظ على بيته وأمه التي تتمثل في الملكة، بينما الخلية الضعيفة تصبح عرضة للهجوم من أي عدو حتى من النحل نفسه.

أمومة متقاسمة بين الملكة والشغالات

ولفت الدكتور ياسر العناني إلى أن من بين الأسرار العجيبة التي أودعها الله في النحل غريزة الأمومة، وهى غير مكتملة وتتقاسمها الملكة مع الشغالات؛ حيث تقوم الملكة بوضع البيض بينما تتولى الشغالات احتضانه ورعايته رغم أنها لم تضعه وهو أمر في منتهى الغرابة، فالشغالة رغم وجود عاطفة الأمومة ورغم أنها أنثى فإنها عقيمة لا تنجب والجهاز التناسلي لها غير مكتمل، وهذا أدعى لها للقيام بجميع المهام والأنشطة الموكولة إليها دون تقصير، وهو ما تعجز عنه لو كانت متمتعة بكامل الجهاز التناسلي، فهي بحاجة أحيانًا لتستريح أو لفترة وضع بيض وغيرها؛ فلذلك جعلها الله عقيمة، فكما أن المرأة تعتريها أوقات ضعف قد تعجز أو لا تستطيع القيام بمهام الأسرة كاملة بخلاف عندما لا يكون هناك حمل، فكذلك الإناث في النحل وكذلك الذكر ليس له جبروت، وله دور مهم في تلقيح الملكات، لافتًا إلى أن من أعجب ما رأيته في مملكة النحل أن كل عضو يعمل ويؤدى واجبه على أكمل وجه، وهذا ما يفسره قوله تعالى “وأوحى ربك إلى النحل…” ورغم أن مملكة النحل تمثل أول نظام طبقي في الحياة بداية من الملكة ثم الشغالات، فالذكور لكل منها دوره وفق ما هيأه الله له، ورغم هذا النظام العجيب والدقيق فإنه أحيانا يتعرض للخلل عندما يتدخل فيه بما يقدمه أحيانًا للنحل من غذاء جاهز فيؤدى إلى حالة من التواكل لأن النحل بطبيعته أن يخرج باحثًا عن طعامه وشرابه، وأخيرًا فليس عجيبًا أن فن التحنيط وأسراره التي مازالت تحير الباحثين أول من استخدمها كان النحل عندما كان يحنط جثث أعدائه من الفئران وغيرها، التي تلقى مصيرها نتيجة عندما تهاجم الخلية لأكل العسل, وهى معركة في العادة لا تستغرق وقتًا يتحول بعدها الفأر إلى جثة هامدة نتيجة لسع النحل، ويتم تحنيطه حتى لا يفسد الخلية؛ ولذلك فكل وقت زمني من اليوم الخلية لها مهام تقوم بها، والغريب أن النحل يكون شرسًا وقت الغروب وفي الصباح الباكر؛ لأن فيه تجمع جميع أفراد الخلية، وبالتالي تكون مستقوية ولا تهاب أي عدو.

مذبحة الذكور وتقديم المصلحة العامة

ومن غرائب النحل أنه يلجأ لما يعرف بمذبحة الذكور، وهذه العملية يتم فيها التخلص تمامًا من الذكور الموجودة داخل الخلية، وهي تتم عادة في فصلي الشتاء والخريف بعكس ما يتم في شهري الربيع والصيف واللذين تلقى فيهما الذكور عناية ورعاية فائقة داخل الخلية، ومن المعروف أن مهمة الذكر هي تلقيح الملكة وهذا التلقيح غالبًا ما يكون في فترة النشاط والحيوية أي في الربيع والصيف، ومع مطلع الخريف يقل الغذاء داخل الخلية ونظرًا لأن الذكور تستهلك كميات من الغذاء دون إنتاج تصبح الخلية بين خيارين إما أن تبقى عليها وهذا يهدد وجود الطائفة بالكامل وإما التخلص منها لتستمر الطائفة على قيد الحياة على أن يعاد إنتاج الذكور من جديد مع بداية الربيع لتلقيح الملكات العذارى وبذلك تنقذ الشغالات الخلية من الفناء.

فريق من وزارة الزراعة يقوم بفحص بعض خلايا نحل العسل لكشف أسرارها

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *