مئات المليارات من الدولارات أُنفقت في مسابقة “كأس زايد”.. حين تكون الدعاية أوْلى من إطعام ملايين الجائعين العرب

 

منذ ان انطلق الربيع العربي ودولة الامارات ترتكب الفظاعات في حق الشعوب العربية الثائرة والغة في دمائها مستثمرة في أزماتها لغايات في نفس محمد ابن زايد ولي عهد امارة ابو ظبي والمتصرف الأول والأخير في الإمارات بعد غياب شقيقه خليفة بن زايد وضعف باقي أمراء الامارات المشكلين للمجلس الاعلى للدولة.

وأمام كل الفظاعات المرتكبة ضد العرب والسعي إلى “قتل” الحد من التضامن والتماسك العربيين الباقيين ساءت سمعة محمد بن زايد وكان لا بد من عملية تخفف من وطأة الغضب الشبابي العربي ضد الامارات ليقين الجميع انه لولا محمد ابن زايد ما كانت السعودية، ما كان للسيسي في مصر أو لحفتر في ليبيا أو لكل القوى الرافضة للحرية والانعتاق في العالم العربي ان تخلق مثل ذلك الارباك الذي تمر به الامة وكانت الاداة المستعملة هي تركي ال الشيخ الذي أعلن فجأة عن تسمية كاس العرب للأندية الابطال في نسختها الفارطة التي انهت قبل ايام بفوز النجم الساحلي بلقبها باسم “بطولة زايد”.

أموال طائلة لـ”تجميل” البشاعة

انطلقت فعاليات كاس العرب للأندية الابطال في شهر ماي من السنة الفارطة بإجراء الادوار التمهيدية الاولى وتواصلت فعالياتها دون “تسييس” الى ان اعلن تركي آل الشيخ رئيس الاتحاد العربي لكرة القدم إطلاق اسم “كأس زايد” على بطولة كأس العرب للأندية الأبطال. ولئن تم ربط ذلك بالتزامن مع احتفالات “عام زايد” في الامارات للعناية بالرياضة وبالشباب في هذا البلد، فإنه أمر لا يعني عموم العرب في شيء لان المقيمين في الامارات من كل الجنسيات العربية لم يروا خيرا من حاكمها ابن زايد الذي يحصي عليهم انفاسهم. أما شباب الامارات فالويل كل الويل له إن نقد أو رفع صوته ولو قليلا بالرفض. لذلك هم على يقين أن “عام زايد” لن يزيدهم الا معاناة وان طموحاتهم ككل شباب العالم في حرية التعبير وحرية التنظم سياسيا لن ينالوها في ظل حاكمهم الحالي.

كان لا بد من القيام بـ”حملة تجميلية” تخفف عن الامارات ما تلاقيه من غضب العرب التواقين الى الحرية والعدالة والديمقراطية. ولان الاتحاد العربي لكرة القدم يرأسه “آل الشيخ” تم في سبتمبر الفارط بعد اكثر من أربعة اشهر من انطلاق كاس العرب للأندية الابطال تغيير اسمها وربطها بوالد ولي عهد أبو ظبي، ليصبح اسمها “كأس زايد”. وتم آنذاك الإعلان على لسان آل الشيخ، أن تلك النسخة من المسابقة هي الأكبر والأقوى على الإطلاق من حيث الجوائز المالية الضخمة المقدمة فيها، بل إن جوائزها تعد من اكبر الجوائز بين كل المسابقات العالمية اذا وضعنا في الاعتبار الفوارق الكبيرة في المداخيل بين البطولة العربية وامجد الكؤوس الاوربية والافريقية وحتى كاس العالم، فاذا كان مبلغ 2.35  مليار يورو هي القيمة الجملية لكل بطولات دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي وكأس السوبر الأوروبي الذي يتابعه كل العالم ويوفر عائدات مالية هامة من بيع حقوق البث التلفزيوني والإشهار والاستشهار وبيع التذاكر لأن كل اللقاءات تدور امام شبابيك مغلقة قبل ايام من انطلاقها، فإن جوائز هذه البطولة العربية تصل 17,2 مليون دولار  كما تحصل كل فريق على مبلغ 50 ألف دولار في كل دور من أجل تغطية مصاريف المقابلات ذهابا وإيابا. كل هذه المبالغ الطائلة صرفت دون تحقيق عائدات مهمة تغطي تلك النفقات او حتى جزءا يسيرا منها إذ أن البث التلفزيوني مجاني ولا وجود لعمليات اشهارية او استشهارية كبيرة.

تبذير المليارات وشباب العرب في معاناة

استنادا إلى إحصاءات رصدها الموقع الرسمي لـ”البنك الدولي” من سلسلة بيانات حول البطالة في العالم، ومستقبل فرص العمل بين الشباب، تبين أن العالم العربي يتصدر الدول التي تعاني من أزمة البطالة، مع وجود تباين في الأرقام بين الدول الخليجية النفطية وباقي الدول. ونشر الموقع دراسة تستند على أرقام “منظّمة العمل الدولية” كشفت ان ليبيا تتصدّر نسب البطالة بنسبة 48,9  أي تقريبا نصف شبابها عاطل عن العمل. وهذا كله بسبب نيران الحرب الاهلية فيها والتي كلما اخذت جذوتها في الانطفاء إلاّ واشعلتها الامارات تليها موريتانيا بنسبة 46 بالمائة، أما في فلسطين التي تعاني من حصارين الاول من اسرائيل والثاني من مصر بدعم إماراتي، فإن نسب البطالة وصلت 42,7 بالمائة ومن يشتغل من الفلسطينيين فانه يمتهن مهنا لا تكاد توفر ما يقيم به صلبه. وفي مصر السيسي حليفة الامارات فإن نسب البطالة بها تصل الى 42 بالمائة وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا كما تعد نسبة البطالة في موريتانيا من بين الاعلى في العالم ولم تشذ تونس عن القاعدة اذ تصل نسبة البطالة بها الى 15 بالمائة رغم انها تحتوي على منصات اهم من باقي الدول العربية الغارقة في البطالة لتشغيل شبابها من خلال عقل ابنائها الخلاق لكن هذه النسبة في تونس تعد قريبة من مصر اذا وضعنا في الاعتبار عدد السكان بكل بلد منهما، إلا أنّ حكام الإمارات لم يلقوا إلى كل ذلك بالا ليلقوا بأموال طائلة في مهب نزواتهم تصل 17,2 مليون دولار، لو تم توظيفها في توفير فرص عمل للعاطلين لكفتهم أو تم منحها لتحسين البنى التحتية والصحية المتخلفة في دول عربية عديدة لصارت الخدمات فيها من أرقى ما هو مودود في العالم لكن كل ذلك لا يهم. فالمهم أن يتصدر ابن زايد المنصة الشرفة في ملعب العين الذي احتضن الدور النهائي وان تنقل عدسات المصورين وشاشات التلفزيون ابتساماته وهو يتابع اللقاء معتقدا هو وتركي آل الشيخ أن العرب كل العرب سينسون اطفال اليمن الذين افترستهم “الكوليرا” والمجاعات وسينسون دموع المهجّرين في سوريا والهاربين من حمم صواريخ حفتر في ليبيا أو ستمحو تلك “البسمات” من اذهانهم آهات المصريين وهم يشاهدون جرافات العسكر تخلط بين خيم ودماء المعتصمين في رابعة و”تفرم” الجميع تحت جنازيرها وتضع في ايدي المصريين قيود العسكر بعد ان قطعت اجنحة الحرية التي طاروا بها إلى آفاق أرحب بعد ثورة 25 جانفي 2011، أو سينسى العرب وهم يرون محمد ابن زايد يصافح اللاعبين أن نفس تلك اليد قطعت اوصال الخليج بافتعالها أزمة مع قطر، وأن نفس تلك اليد وقّعت على أمر إرسال أعوان من مخابرات الإمارات التي يشرف عليها محمد دحلان إلى غزة، ليمنحوا منها اسرائيل المعلومات التي عجزت عن جمعها حول مكامن قوة الفصائل الفلسطينية التي اذاقتها الويلات في حرب صيف 2014. ورغم تنكر أولئك الأعوان في ثوب اعضاء من الهلال الأحمر الإماراتي جاؤوا ليقدموا العون للغزاويين وهم يحاربون اسرائيل في عز شهر الصيام المعظم، إلا أن ابطال حماس والجهاد الإسلامي وباقي الفصائل الفلسطينية تفطنت لهم وارجعتهم من حيث اتوا. ومن المؤكد أن سعي ابن زايد إلى تهدئة تركي آل الشيخ الذي ينتفض كالمصعوق مع كل هدف يسجله النجم الساحلي دفع من شاهدوا تلك الحركات “المسرحية” الى تمني أن يجد ابن زاد من يهدئه هو أيضا.

الإصرار على مواصلة التوظيف السياسي

أعلن تركي آل الشيخ مؤخرا أنه سيتم تغيير اسم البطولة العربية للأندية الأبطال في نسختها القادم ليصبح “كأس محمد السادس” ملك المغرب في إقحام مفضوح للسياسة في الرياضة. وجعل هذه الأخيرة مبطنة برسائل سياسية  تجعل مثل هذه البطولات ليست فرصة للشباب العربي للتلاقي والاحتفال وتطوير مستويات الاندية المشاركة بل فرصة لتحقيق اهداف لا علاقة لها بالرياضة ومبنية على أسس “مصالحية” عميقة لأن اطلاق اسم ملك المغرب محمد السادس على النسخة القادمة، المراد منه تخفيف حدة التوتر بين الإمارات والسعودية والمملكة المغربية التي وصلت الى حد سحب السفراء ولئن قبل ملك المغرب حسب ما اعلن تركي ال الشيخ في تدوينة على حسابه على صفحته الرسمية بموقع “فيسبوك”: “أتشرف كرئيس الاتحاد العربي لكرة القدم بأن تكون النسخة الثانية من البطولة العربية تحمل مسمى غال على كل العرب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله الذي تكرم علينا بالموافقة”.  فإنّ ملك المغرب لن تنطلي عليه هذه الألاعيب والحيل وهو المعروف برجاحة العقل ويعلم جيدا أن محور الشر العربي لا يريد لهذه الأمة خيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *