أطر كثيرة متشابكة ومتشعبة شيّدها الناطقون باسم المجتمع أحيانا وباسم الرب كل حين حول جسد المرأة، ووصايا كثيرة مبعثرة ومتناثرة تتعثر فيها المرأة حيثما ولت وجهها، أطر ووصايا كثيرة بعثرتها الفنانة ليلى طوبال على ركح مسرح الحمامات في مونودراما “ياقوتة”. 

وما كان أحد ليتوقع أن تكون “ياقوتة” خاتمة جولات ليلى طوبال على الركح إذ أعلنت إعتزالها رسميا ليكون عرضها على ركح الحمامات العرض قبل الأخير على اعتبار أنها تلتقي جمهورها على ركح قرطاج

وعن هذا القرار الذي كشفت عنه في الندوة الصحفية التي عقبت العرض، قالت طوبال إنه جاء بعد أشهر من التفكير، إذ ليس بالأمر الهين اعتزال الصعود على الركح بعد مسيرة استمرت لأكثر من 30 سنة.

و”ياقوتة” من إنتاج “الفن ومقاومة”، وفي مشاهدها تعري طوبال واقع المرأة في تونس وفي العالم العربي وتضع أصابعها على مكامن الداء وتفتح الجروح التي لا تنتدمل وتذرّ عليها ملحا. 

بين التلميح والتصريح راوح نص المسرحية الذي شحنته بأحاسيس متناقضة وهي تتأرجح بين الواقع والمتخيل لتلتبس انفعالاتك وأنت تلاحق وقع خطواتها على الخشبة فتشرق بابتسامتك وتبتسم دمعا. 

وعلى الركح تظافرت عناصر السينوغرافيا لتحيلك إلى كل الأطر التي ترتفع لتحاوط جسد المرأة، وآوت ليلة طوبال داخلها كل النساء وصدحت بصوت يمتدّ من الوجع إلى الثورة، صوت عمدته بالحرية ورفض الوصايا.

ومن فاتحته إلى خاتمته، تقحمك المسرحية في حالة عاطفية وذهنية وتدفعك إلى طرح أسئلة عن الحياة والموت والمجتمع والعادات والتقاليد والقوانين وعن قدر المرأة الذي يعبر بها من سجن إلى آخر.

وقبل أن تطالعك الفنانة ليلى طوبال على الركح، ترافقك لينا بن مهني وزينب فرحات وشيرين بنظراتهما العصية على التفسير وتتحسس حضورهما في “ياقوتة”، وتتجلى بعض من مسيرتهن في صوت ليلى طوبال حينما تصرخ في وجه السجان وتكسر بكلماتها أقفال السجن وترسم وجوها مختلفة للمقاومة.

و “ياقوتة” محاولة فنّية لتجاوز كل العقد التي راكمها المجتمع داخل الأفراد، عقد تدفعه إلى إطلاق وصوم ونعوت مؤذية على إنسان آخر لمجرّد أن مجيئه إلى هذا العالم مارق عن خانة المألوف، وهي المحاولة الفنية الأخيرة لليلى طوبال على الركح ولكنها لن تكون الأخيرة على مستوى الكتابة.