وداد الزغلامي.. المخرجة التي صوّرت وجها آخر لجبل الجلود

 

لحظات كثيرة يقف عندها المرء في الحياة لكنه لا يعلم إن كانت فاصلة الا بعد مرور بعض السنين، واليوم بعد مرور ثلاثة عشر سنة على تصويرها اولى لقطات فيلمها فتح الله تي في ” يمكن للمخرجة وداد الزغلامي ان تعتبر تلك اللحظة التي  قررت فيها ان تحفر في أعماق شارع خلفي منسي بداية جديدة لسينمائية تغرّد خارج السرب.

البداية كانت حينما جمعتها الصدفة بحليم اليوسفي ذات عطلة صيفية لاحقت فيها أحلام شباب تسلحوا بالفن لمقاومة واقع مرير لا عدالة فيه ولا مساواة لا شيء غير القمع والتفرقة والتهميش.

سنة سبع وألفين تشكلت أولى ملامح الفيلم حينما وثقت لحظات منع الشاب ذو الثلاثة وعشرين عاما من السفر إلى الجزائر ليوجد لنفسه سبلا أخرى للعيش من الموسيقى وينوّع تجربته الفنية.

في لحظات انفعاله لمنعه من السفر في تجل من تجليات القمع والتضييق على الحريات في نظام بن علي، لم تملك وداد الزغلامي إلا أن تسأله ” لماذا لا تعيش من الموسيقى في تونس”، وكان ردّه بسؤال ” هل تعيشين أنت من السينما”.

سؤالان يكشفان واقع الفن والفنانين في تونس، واقع لم يتبدّل كثيرا اليوم، وفي بحثها عن إجابة عن السؤال الموجه لها ولفهم الغضب الساكن في كلمات حليم اليوسفي وجدت نفسها في جبل الجلود حيث تناثرت أجوبة كثيرة لأسئلة لا تنتهي.

وفي منطقة سيدي فتح الله، اقتفت أثر تجارب خمسة شبان وإن كان التركيز الأكبر على ثلاثة منهم هم ” حليم اليوسفي” و”Tiga Black Na” و”Pazaman”، ورافقتهم طيلة عقد من الزمن اتخذت فيه العلاقة بين المخرجة وشخصيات فيلمها بعدا إنسانيا أعمق.

رغم كل المخاطر التي كانت تلف هذه المغامرة السينمائية ورغم تنبيهها إلى أنّ المنطقة ساخنة ولكنها جازفت ودخلت فتح الله محمّلة بالمحبة والرغبة في أن تصوّر وجها آخر لجبل جلود بعيدا عن تلك النمطية التي تحصرهم في خانة العنف واستهلاك المخدرات والسرقة.

هناك، في أزقة خلف الله الضيقة اصطدمت بأمل لا يعترف بالحدود، أمل أكبر من المكان نفسه، ومن الضحكات الساخرة من الواقع والعيون التي يسكن فيها الوجع عندما تشع فيها الإرادة ومن الأصوات التي لا تسكت رغم تعبها نسجت ملامح فيلمها.

هي لم تكن مخرجة لفيلم وثائقي فحسب بل كانت امتدادا للتفاؤل، كانت الصديقة والرفيقة التي تقاسم شباب فتح الله الأحلام والهواجس، مشت معهم في الدروب نفسها، وشهدت لحظات ولادة أغانيهم المحملة بالرفض والتمرّد.

عن دخولها فتح الله للمرة الأولى، تقول إنها لم تواجه أيّة صعوبات بل إن متساكني المنطقة رحبوا بها وفتحوا لها منازلهم وقلوبها، ورغم أنها لم تنتم يوما إلى حي شعبي إلا أنها أحست بالألفة معهم ولم تلق منهم سوى المحبة والاحترام، وفق حديثها.

أما السر وراء هذه الألفة، فهو دخول المرء  إلى هذه الاحياء لاكتشافها، محمّلا بحد أدنى من التواضع ومن القدرة على الإحساس بمعاناة الآخرين دون أن تسرّب لهم مشاعر الشفقة.

في جبل جلود كانت وداد الزغلامي تتأرجح بين السينما والإنسانية، ففي لحظات معينة تلغي المخرجة داخلها وتطلق العنان للجانب الانساني العاطفي فيها تبكي وتأسف بعض أحداث الحياة التي صادفتها شخصياتها الصديقة، كانت تأخذ مسافة من كل شي تبكي أو تضحك ثم تمضي.

مسافة فنية وإنسانية راوحت بينها وهي تلاحق الشهادات والمشاهد وحافظت عليها وان اختلط الذاتي بالموضوعي في بعض تفاصيل الفيلم، وصارت المخرجة شخصية رغم أنها كانت تمتلك خيار البقاء وراء الكاميرا فقط ولكنها في كل الحالات كانت بعضا من القصّة.

 وعن هذا الخيار، تقول إن الفيلم هو الذي فرض عليها الدخول كشخصية وإنها لو فعلت عكس ذلك لأفقدته الصدق، مشيرة إلى أنّها حينما شرعت في التصوير لم تكن تنوي أن تكون ضمن الشخصيات ولكن تقلص المسافات معها وقيام علاثة خاصة تقاسموا فيها كل انفعالات الحياة أثر في مسار الفيلم.

في حديثها عن ظهورها كشخضية في الفيلم تقول أيضا “لكي أكون صادقة ولا أكذب على الجمهور وتمر المشاعر كما عشناها كنت مجبرة على الحضور كشخصية وهو ظهور مدروس لأنني لا أملك نفس وزن بقية الشخصيات في السيناريو ولكني كنت حاضرة من خلال صوتي حينما أحضر بعض الأسئلة أو بعض المشاهد.”

بأسلوب سينمائي مختلفت رسمت وجها آخر لجبل الجلود، جبل الجلود المقاومة التي ترشح املا رغم بنيتها التحتية المهترئة وحقوق أبنائها المنسية، جبل الجلود الموسيقى والألوان والكلمات الحرة.

” حينما كنا في العشرينات من العمر كنا نحلم بوجود شخص يحفزنا لكي نواصل في السبل التي اخترناها سواء سينما أو موسيقى ولكننا لم نجده في الواقع فقررنا أن نسند بعضنا البعض واليوم رأى الفيلم النور وحليم اليوسفي و”Tiga Black Na” و”Pazaman” محترفون موسيقيا وأنا بصدد كتابة سيناريو لروائي طويل جديد سيكون تصويره في تونس”، بهذه الكلمات تختزل وداد الزغلامي عمرا من البحث عن التغيير وتعطي معنى للمحاولة رغم وجود حواجز كثيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *