الاعتبار من نزول الأمطار

 


أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله صلاة الصُّبح بالحديبية في إثر سماء كانت من اللّيل، فلمّا انصرف أقبل على النّاس فقال: ”هل تدرون ماذا قال ربّكم”، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ”قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب”.
يُبيّن لنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث أنّ المطر مصدره من الله، ولذلك لمّا خطب في أصحابه أقبل رجل إلى المسجد والنّاس مستمعون منصتون، فراح يصرخ: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السّبل، وجاع العيال، فادع الله أن يُغيثنا، وإذا بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يرفع يديه إلى السّماء، قال أنس رضي الله عنه: والله ما في السّماء من سحاب مجتمع، ولا قزع متفرّق، فما هو إلّا أن دعا رسول الله حتّى ثار السحاب كأمثال الجبال، قال: فما خفض النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يديه إلّا ولحيته تقطر ماء.
إنّ من فضل ربّنا سبحانه أن جعل نعمه تترى علينا، وهذه النّعم منها ما ينزل من السّماء، ومنها ما يخرج من الأرض، وقد بيّن سبحانه أنّ من أعظم النّعم الّتي ينعم بها على عباده أنّه ينزل عليهم المطر يسقي به ديارهم، وينبت به زروعهم، وينظّف به أرضهم، وهذا المطر قد يكون غيثًا يصلح الله به البلاد ويغيث به العباد، وقد يكون عذابًا، كما قال ربّنا عن قوم نوح:{وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ}.
فالله سبحانه إن شاء أنزل المطر فكان عذابًا على أقوام يهدم به بيوتهم، ويفسد به زروعهم، ويهلك أنعامهم وحرثهم، كما حدث مع عاد قوم هود الّذين امتنع القطر عنهم زمنًا طويلًا حتّى اشتاقوا إلى الماء، وعطشت أرضهم، وأجدبت ديارهم، فلمّا رأوا السّحاب عارضًا مستقبل أوديتهم: {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}، فجاءهم الجواب: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا، فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين}.
ومن هديه صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان إذا رأى سحابًا مجتمعًا تغيّر وجهه وخاف، فإذا أمطر سري عنه، تقول أمّنا عائشة رضي الله عنها: كان صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى الغمام في السّماء كرب له، وتغيّر وجهه، ولا يستقرّ على حال، ويظلّ يدخل ويخرج، فتقول: يا رسول الله، إنّ النّاس إذا رأوا الغيث استبشروا، وأراك إذا رأيته كربت له، قال: ”يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، إنّ قومًا قالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} فقال الله: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} وما يؤمنني”.
ومن هديه صلّى الله عليه وسلّم أنّه إذا نزل المطر يحسر عن ثيابه ليصيب جسدَه الشّريف الماءُ، كما في حديث أنس رضي الله عنه في الصّحيح أنّه كان مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ماشيًا، قال: فنزل علينا مطر، فحسر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ثيابه ليصيب الماء جسده، وذلك لأنّ الله تعالى وصف ماء المطر فذكر أنّه ماء مبارك: {وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}. وورد عن بعض الصّحابة آثار وأذكار كانوا يذكرونها إذا رأوا المطر أو البرق، فقد ذكر عن عبد الله بن الزبير أنّه كان إذا سمع صوت الرّعد يقول: ”سبحان الّذي يُسَبِّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته”.
ومن هنا فإنّه أحرى بالمؤمن أن يقف حيال هذه الخيرات النازلة من السّماء موقف المعتبر، فهو يرى الأرض قد اخضرت، والأشجار قد أثمرت، وامتلأت الأرض بالورود والألوان الزاهية، بعد أن كانت قبل المطر غبراء دبراء لا أثر للحياة فيها، أين كانت هذه البذور؟ من الّذي حفظها؟ من الّذي أحياها؟ إنّه الله الّذي لا إله إلّا هو، يقول الله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ويقول عزّ ذكره: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، ويقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، ويقول: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}. ويقول المولى سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُون، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ (السّحاب) أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُون، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ}، لو شاء الله لجعله مالِحًا لا يشرب، ولا ينتب نباتًا، ولكن الله جعل فيه هذه الصّفات العظيمة، ينبت به النبات والمراعي والزروع، ويخزنه في الأرض لحاجة النّاس إليه في المستقبل، كلّ ذلك من رحمته سبحانه وحكمته وعظيم قدرته سبحانه، فلنتفكّر في حبسه عمّن يشاء، ونتفكّر في إنزاله على من يشاء، ونتفكّر في كيفية نشوئه، ومسيره بين السّماء والأرض إلى حيث أمره الله سبحانه وتعالى فيحبسه عن أرض، وينزله على أخرى، حسب أمره ومشيئته ورحمته سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *